صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
39
شرح أصول الكافي
فظهر انّ للأشياء مواطن ولكلّ موطن خصوصيّة لا يكون في غير ذلك الموطن ، فلا استبعاد في كون المعلوم جزئيا ممتنعا عن الاشتراك متغيرا والعلم به كليا غير متغير ، كما أن العلم بالمتغير ليس بمتغير والعلم بالحركة ليس بحركة والعلم بالعدم والامكان ليس عدما ولا امكانا ، فواجب الوجود يدرك الأمور الجزئية والمتغيرة مع جزئيتها ولكن على وجه عقلي كلى غير متغير ، والا يلزم التغير في ذاته . تعالى عن ذلك علوا كبيرا . وكما أن اثبات كثير من الأفاعيل نقص للأول تعالى فكذلك اثبات كثير من التعقلات ، فإنما هو يعقل كل شيء على وجه كلى ونحو إلهي وحداني ومع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي ولا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض ، وهذا من العجائب التي تحوج تصورها إلى لطف قريحة كما ذكره الشيخ واتباع الفلاسفة . وأعجب من ذلك ومن كل عجيب انه تعالى يعلم بعلم واحد جميع الكليات الثابتة والجزئيات المتغيرة كما وقعت الإشارة إليه سابقا . فاذن قد اتضح وتبين انه تعالى لم يزدد بوجود الأشياء علما لم يكن في ذاته بذاته ، وان علمه بالأشياء قبل تكوينها هو علمه بها بعد تكوينها وهو المطلوب . الفصل الثامن عشر في ان ليس لفعله داع غير ذاته وبيّن ذلك بنفي اقسام الدواعي والاغراض وما يلحقها من العوارض والحالات وهو قوله عليه السلام : لم يكونها لتشديد سلطان . . . إلى قوله : ولا شريك مكابر . اما البرهان على نفى الدواعي والغرض عن فعله : فلانه لو فعل لغرض لا يخلو اما ان يكون وجود ذلك الغرض وعدمه بالنسبة إليه تعالى على سواء أو ليس كذلك ، والأول باطل والا لكان حصول الغرض له دون عدمه ترجيحا من غير مرجح . والثاني أيضا باطل لأنهما إذا لم يستويا في حقه تعالى كان حصول الغرض أولى به من لا حصوله ، فحينئذ يكون ذاته يستفيد من فعله غرضا معتبرا في كماله ويكون بدونه فاقد كمال وعادم مقصد ، فيكون ناقصا في ذاته . تعالى عن النقصان علوا كبيرا .